ابو البركات

199

الكتاب المعتبر في الحكمة

فنقول ان اسم الحرارة يقع على هذه الأصناف بحسب الادراك والاحساس وتشابه المحسوس منها عند الحس أو تقاربه مع اختلافه الظاهر عند الحس بالشدة والضعف فان حرارة النار قد تسخن الماء فيسخن إلى حد ما وتسخنه حرارة الشمس مثل تلك السخونة فيتشابه الأثر ان عند الحس ثم يزيد اسخان النار إلى حد الغليان فلا يفرق اللامس بينه وبين غاية اسخان الشمس الا بالشدة والضعف ولا يدرك الاختلاف الذي بين نوعي الحرارتين ثم إن النار قد تشتعل من حر الشمس فيظن ان حر الشمس وحر النار واحد في المعنى ولا يلزم منه أن تكون كذلك حرارة الحيوان فانا نعلم أن في الجسم الحيواني بعد موته حرارة عنصرية مزاجية بها يعفن ويفسد وليس فيه الحرارة الغريزية التي كانت تلمس وقد تدرك في بشرته وهو حي ولا تعفنه ولا تفسده ونجد حرارة الحمى تؤذيه وتؤلمه وتضرّ بأفعاله وهذه الحرارة لا تضرّه ولا تؤذيه بل تحسن بها أحواله وتتم افعاله وتصرفاته ألا ترى انها في الشاب القوى أقوى وأوفر منها في الشيخ وتصدق بها شهوته للغذاء وهضمه له وتقل بقلتها ولا تكثر بكثرة الحرارة الدوائية والغذائية ولا تنوب عنها ولا تقوم مقامها ولو قامت ونابت لتلافي الانسان بتدبيره باغذيته وبادويته تقصير قواه وافعاله في شيخوخته ولا نجد الامر كذلك فان هذه الحرارة المزاجية الغذائية والدوائية تزيد فتضرّ ولا تنفع ولا تتلافى خلل ما أوجبه تقصير تلك فان الشيخ الذي تضعف حرارته الغريزية فيضعف بضعفها هضومه وحركاته وقد يسخن مزاجه بحرارة الهواء والغذاء والدواء فيمرض ويزداد ضعفا ولا يتلافى منه تقصير تلك الحرارة فنعلم ان بينهما فرقا وان بهذه الحرارة يحيى الحيوان ويصح ويقوى بالغة ما بلغت في الزيادة وباعتدال الحرارة المزاجية يصح وبزيادتها ونقصانها يمرض وتلك لا يضر بزيادتها فإنها في السبع والحية أكثر منها في الانسان ولا تضرهما بل يطول بها عمرهما وتقوى قواهما وافعالهما والمحموم يستضر بحماه ويضعف بل نرى الشخصين اللذين من نوع واحد تختلف حرارتهما الغريزية في القوة والضعف فنرى أكثرهما حرارة غريزية أقلهما